فخر الدين الرازي

459

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

والكسوة ، وإن اشتغلت المرأة بالإرضاع ، هذا كله كلام الواحدي رحمه اللّه . أما قوله تعالى : يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ ففيه مسألتان : المسألة الأولى : هذا الكلام وإن كان في اللفظ خبرا إلا أنه في المعنى أمر وإنما جاز ذلك لوجهين الأول : تقدير الآية : والوالدات يرضعن أولادهن في حكم اللّه الذي أوجبه ، إلا أنه حذف لدلالة الكلام عليه والثاني : أن يكون معنى يرضعن : ليرضعن ، إلا أنه حذف ذلك للتصرف في الكلام مع زوال الإيهام . المسألة الثانية : هذا الأمر ليس أمر إيجاب ، ويدل عليه وجهان الأول : قوله تعالى : فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ [ الطلاق : 6 ] ولو وجب عليها الرضاع لما استحقت الأجرة والثاني : أنه تعالى قال بعد ذلك : وَإِنْ تَعاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرى [ الطلاق : 6 ] وهذا نص صريح ، ومنهم من تمسك في نفي الوجوب عليها بقوله تعالى : وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ [ البقرة : 233 ] والوالدة قد تكون مطلقة فلم يكن وجوب رزقها على الوالد إلا بسبب الإرضاع ، فلو كان الإرضاع واجبا عليها لما وجب ذلك ، وفيه البحث الذي قدمناه ، إذا ثبت أن الإرضاع غير واجب على الأم فهذا الأمر محمول على الندب من حيث أن تربية الطفل بلبن الأم أصلح له من سائر الألبان ، ومن حيث إن شفقة الأم عليه أتم من شفقة غيرها هذا إذا لم يبلغ الحال في الولد إلى حد الاضطرار بأن لا يوجد غير الأم ، أو لا يرضع الطفل إلا منها ، فواجب عليها عند ذلك أن ترضعه كما يجب على كل أحد مواساة المضطر في الطعام . أما قوله تعالى : حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ ففيه مسائل : المسألة الأولى : أصل الحول من حال الشيء يحول إذا انقلب فالحول منقلب من الوقت الأول إلى الثاني ، وإنما ذكر الكمال لرفع التوهم من أنه على مثل قولهم أقام فلان بمكان كذا حولين أو شهرين ، وإنما أقام حولا وبعض الآخر ، ويقولون : اليوم يومان مذ لم أره ، وإنما يعنون / يوما وبعض اليوم الآخر . المسألة الثانية : اعلم أنه ليس التحديد بالحولين تحديد إيجاب ويدل عليه وجهان الأول : أنه تعالى قال بعد ذلك : لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ فلما علق هذا الإتمام بإرادتنا ثبت أن هذا الإتمام غير واجب الثاني : أنه تعالى قال : فَإِنْ أَرادا فِصالًا عَنْ تَراضٍ مِنْهُما وَتَشاوُرٍ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فثبت أنه ليس المقصود من ذكر هذا التحديد إيجاب هذا المقدار ، بل فيه وجوه الأول : وهو الأصح أن المقصود منه قطع التنازع بين الزوجين إذا تنازعا في مدة الرضاع ، فقدر اللّه ذلك بالحولين حتى يرجعا إليه عند وقوع التنازع بينهما ، فإن أراد الأب أن يفطمه قبل الحولين ولم ترض الأم لم يكن له ذلك ، وكذلك لو كان على عكس هذا فأما إذا اجتمعا على أن يفطما الولد قبل تمام الحولين فلهما ذلك . الوجه الثاني : في المقصود من هذا التحديد هو أن للرضاع حكما خاصا في الشريعة ، وهو قوله صلى اللّه عليه وسلّم : « يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب » والمقصود من ذكر هذا التحديد بيان أن الارتضاع ما لم يقع في هذا الزمان ، لا يفيد هذا الحكم ، هذا هو مذهب الشافعي رضي اللّه عنه ، وهو قول علي وابن مسعود وابن عباس وابن عمر وعلقمة والشعبي والزهري رضي اللّه عنهم ، وقال أبو حنيفة رضي اللّه عنه : مدة الرضاع ثلاثون شهرا .